القبض والسدل

القبض:

وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة وقد وردت فيه عِدَّة أحاديث منها:

حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه رضي الله عنه قَالَ: [كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ] [موطأ مالك، 1 / 159]. و[صحيح البخاري، 1 / 259]. وحديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، يعني في الصلاة. [مسلم، 1 / 301]. وحديث قَبِبيصَةَ بن هُلْبٍ الطائي عن أبيهِ رضي الله عنه قال: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يؤمّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِه" [الترمذي، 2/32]. وقال الترمذي: حديثُ هُلْبٍ حديثٌ حسَن. واسم هُلْبٍ: يَزيدُ بنُ قُنَافَةَ الطّائِيّ. 

السَّدل:   

قال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان يكرهه، ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به نفسه. [المدونة الكبرى ج: 1 ص: 74]. قال الإمام ابن رشد: اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة : فكره ذلك مالك في الفرض، وأجازه في النفل. ورأى قوم أن هذا الفعل من سنن الصلاة وهم الجمهور. والسبب في اختلافهم أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، وثبت أيضًا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك. وورد ذلك أيضًا من صفة صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حُميد الساعدي رضي الله عنه.فرأى قوم أن الآثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة على الآثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة، وأن الزيادة يجب أن يصار إليها. ورأى قوم أن الأوجب المصير إلى الآثار التي ليس فيها هذه الزيادة، لأنها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنما هي من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل ولم يجزها في الفرض، وقد يظهر من أمرها أنها هيئة تقتضي الخضوع، وهو الأولى بها.‏ [بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج: 1 ص: 99]. قد نقل مفتي مكة المكرمة الشيخ محمد عابد المالكي في كتابه "القول الفصل في تأييد سنة السدل" عن الإمام علي بن خلف ابن بطَّال المالكي، قوله في شرحه على صحيح البخاري: [وحجة من كره ذلك ـ أي القبض ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم المسيء صلاته ولم يذكر له القبض]. اهـ يشير بذلك إلى حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه الذي خرجه النَّسائي والحاكم والبيهقي، وغيرهم.


قال ابن عبد البر: فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب:

فذهب مالك والليث بن سعد إلى سدل اليدين في الصلاة. قال مالك: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يفعل ذلك في النوافل من طول القيام، وقال: تركه أحب إليَّ. هذه رواية ابن القاسم عنه. وقال ابن القاسم: لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه. وقال الإمام الليث بن سعد: سدل اليدين في الصلاة أحب إليَّ إلا أن يطيل القيام فيعيا فلا بأس أن يضع اليمنَى على اليسرى. وقال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يصلِّي في إزار ورداء مسدلاً يديه. وقال الأوزاعي: من شاء فعل ومن شاء ترك.  وهو قول عطاء. [التمهيد، 20 / 74-75].  وروى الخطيب البغدادي عن أحمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أهلُ مكة  يقولون: أخذ ابن جريج الصلاة عن عطاء، وأخذها عطاء عن ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير عن أبي بكر، وأخذها أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. [تاريخ بغداد 10 / 404]. قلتُ: وابن جريج وابن الزبير كان يرسلان أيديهما في الصلاة، وكان عطاء يخيِّر بين الإرسال والقبض، ففي هذا الخبر دليل على أنهم أخذوا ذلك من صفة صلاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقال الخطيب الشربيني قال الإمام [يعني الشافعي]: [والقصد من القبض المذكور تسكين اليدين فإن أرسلهما ولم يعبث بهما فلا بأس] كما نص عليه في الأم. [مغني المحتاج، 1 / 181]. ونقل الشيخ عليش عن الشيخ عبد الوهاب الشعراني قوله في الميزان: فمن عرف عن نفسه العجز عن كمال الإقبال على الله عزَّ وجلَّ مع القبض فإرسال يديه بخشية أولَى، وبه صرَّح الشافعي في الأم فقال: وإن أرسلهما ولم يعبث بهما فلا بأس. [فتح العلي المالك في القتوى على مذهب الإمام مالك، 1 / 126].  وقال الشوكاني: وروى ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسلهما ولا يضع اليمنى على اليسرى، ونقله النووي عن الليث بن سعد ونقله المهدي في البحر عن القاسمية والناصرية والباقر.[نيل الأوطار، 2 /201].

وقال ابن أبي شيبة في المصنف: [من كان  يرسل يديه  في الصلاة]:

حدثنا عفان قال حدثنا يزيد بن إبراهيم قال سمعت عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير رضي الله عنه إذا صلَى  يرسل يديه. وحدثنا عمر بن هارون عن عبد الله بن يزيد قال: ما رأيت ابن المسيّب قابضًا يمينه في الصلاة، كان يرسلها. وحدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن العيزار قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير فرأى رجلاً يصلِّي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، فذهب ففرَّق بينهما ثم جاء . حدثنا أبو بكر قال حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن ومغيرة عن إبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة.[مصنف ابن أبي شيبة 1/ 344]. 

وقال النووي: وحكى ابن المنذر عن: عبد الله بن الزبير والحسن البصري والنخعي. أنه يرسل يديه، ولا يضع إحداهما على الأخرى. وحكاه القاضي أبو الطيب عن ابن سيرين. وقال الليث بن سعد يرسلهما، فإِن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة.  وقال الأوزاعي: هو مخير بين الوضع والارسال. وروى عن مالك الوضع، وروى عنه ابن القاسم الارسال. [المجموع، 3 / 269]. وقال العلامة الشيخ محمد عليش في فتاويه وقد سئل عن مسألة السدل: [رواية ابن القاسم في المدونة عن مالك كراهته في الفرض مطلقًا لكونه منسوخًا، واقتصر عليها في المختصر، وصدَّر بها ابن عرفة، وهذا يفيد اعتمادهما لها، ونص المدونة: [وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، قال: لا أعرف ذلك في الفريضة]. يعني والذي أعرف جريان العمل به من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين إنما هو السدل. وقد خرَّج الإمام مالك حديث القبض فيها وفي موطئه ومنه تلقاه الشيخان فلا جائز أن يقال: إنه لم يبلغه، ولا أن يقال عدل عنه لمجرد هوى نفسه لانعقاد الإجماع على تنزُّهه عن ذلك. فلم يبق إلا أنه ثبت عنده نسخه بعمل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين بالسدل إذ لا يمكن جهلهم آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا مخالفتهم له، وحينئذٍ فلا إشكال في كراهة القبض في الفرض ولا في قوله: لا أعرفه مع صحة الحديث به وتخريجه في الموطأ ولا حاجة إلى التأويلات والأجوبة التي تكلَّفها شُرَّاح المدونة ولا يظهر قول جماعة من شراح المختصر: محل الكراهة إن قصد به الاستناد فإن قصد به الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكره، وإن تبعهم العدوي واقتصر عليه في المجموع. [فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، 1 / 125-126]. وقال في موصع آخر: أما بعد: فاعلم أن سدل اليدين في الصلاة ثابت في السنة فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به بإجماع المسلمين، وأجمع الأئمة الأربعة على جوازه فيها، واشتهر ذلك عند مقلِّديهم حتى صار كالمعلوم من الدين بالضرورة وأنه أول وآخر فعليه، وأمر به صلى الله عليه وسلم.  أما الدَّليل على أنه أول فعليه وأنه أمر به، فالحديث الذي خرَّجه مالك في الموطأ عن سهل بن سعد من قوله: [كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة]. ووجه دلالته أن أمرهم بالوضع المذكور دليل نصَّ على أنهم كانوا يسدلون، وإلا كان أمرًا بتحصيل الحاصل وهو عبث محال على الشارع صلى الله عليه وسلم. ومن المعلوم ضرورة أنهم لم يعتادوا السدل ولم يفعلوه إلا لرؤيتهم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم إيَّاه وأمرهم به بقوله: {صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي}.  وأما الدَّليل على أنه آخر فعليه وأمره به صلى الله عليه وسلم فهو استمرار عمل الصحابة والتابعين عليه حتى قال مالك في رواية ابن القاسم في المدونة [لا أعرفه] يعني الوضع في الفريضة إذ لا يجوز جهلهم آخر حالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مخالفته لملازمتهم له ولضبط أحواله واتِّباعه فيها، فلذا ضمَّ مالك عملهم إلى الآية المحكمة والحديث الصحيح السالم من معارضة العمل له والإجماع، وجعل الأربعة أصول مذهبه.

وأما القبض في الفريضة فاختلفوا في كراهته وندبه وإباحته مع اتفاقهم على ثبوت فعله والأمر به من النبي صلى الله عليه وسلم والقائلون بندبه أو إباحته اختلفوا في كيفيته، وتَحَصَّل فيه من مذهب مالك أربعة أقوال بينها الإمام ابن عرفة وغيره: المشهور منها الذي عليه أكثر أصحابه رواية ابن القاسم عنه في المدونة الكراهة وحجته فيها ترك الصحابة والتابعين له واستمرارهم على السدل كما تقدَّم فدل على نسخ حكم القبض. [فتح العلي المالك ، 1 / 150-151].

بقلم/ المدني محمد توم

  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية مقامات أهل الله تقبيل أيدي العلماء والصالحين المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع

كتب ومؤلفات










جديد المطبوعات